
قال تعالي (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ }الأعراف*َلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}175-176الأعراف.
القصة التي ذكرها المولي تبارك وتعالي تحكي عن قصة رجل في زمن بني اسرائيل حال هذا الرجل أنه كان صاحب علم وفضل لكنه أثر الحياة الدنيا فناصر قومه وناصب موسي العداء مؤثرا حظوظه الدنيوية فوصفه الله تعالي بأنه إنسلخ وأخلد إلى الأرض وأتبع هواه وشبهه بالكلب يلهث في كل أحوله.
القصة الثانية قصة امرأة تعمل بالغزل فكانت كلما غزلت غزلاً وأحكمته ووصلت إلي نهايته، بدأت تنكثه وتعيده كما كان قبل الغزل قال تعالي({وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }النحل92.
في المثالين السابقين عبرة لمن أحسن في شهر رمضان وتقرب إلي الله بأنواع القربات من صيام ، وحفظ للجوارح، وصلاة،وتهجد، وتلاوة للقرآن ،وذكرلله تعالي، وصدقة ,وغيرها من الطاعات ولكن تغير حاله بعد الشهر الكريم إذ أعقب الطاعة بالمعصية ، والقبول بالإعراض فانسلخ واخلد إلي الأرض واتبع هواه ، ونكث غزله ، فما أقبح حاله ، وما أشد شقاوته ، الكريم يفتح له أبواب رحمته وهو يعرض، الله يريد أن يرفع درجته، لكنه يخلد إلي الأرض ، فمأقبح المعصية بعد الطاعة، وبئس الكفر بعد الشكر، والإنحراف بعد الإستقامة.
ظن هذا وأمثاله أن العبادة مواسم ، فيعبد الله في رمضان ، ويعبد الله إذا حلت به ضائقة ، ويعبد الله لأمر يريده قال أحدهم: صلي المصلي لأمر كان يقصده * فإذا فاته الأمر فلا صلي ولا صاما يقول بشر الحافي {بئس القوم لايعرفون لله حقاً إلا في رمضان}.
فإن الذي فضل شهر رمضان يعبد في كل زمان،فالعبادة لاتنقطع بحال ، فلا تنتهي عند المناسبات ، ولا تعتريها الشيخوخة فتحيلها إلي المعاش، ولا تتوقف علي الأذواق والمشاعر والرغبات، بل أمرها علي الدوام، ومنتهاها إلي الموت قال تعلي{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }الحجر99.و كما كان حال رسول الله صلي الله عليه وسلم بما أخبرت به السيدة عائشة رضي الله عنها {أن عمله صلي الله عليه وسلم كان ديمة} (البخاري).
وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال{أحب العمل إلي الله أدومه وإن قل}والذي بشر بـ{أنه إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ماكان يعمل مقيماً صحيح} (البخاري). فيجب أن يكون العبد مستمراً على طاعة الله ، ثابتاً على شرعه ، مستقيماً على دينه لا يروغ روغان الثعالب يعبد الله في شهر دون شهر .. أو في مكان دون آخر .. أو مع قوم دون آخرين .. لا .. وألف لا !!بل يعلم أن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام ، وأنه رب الأزمنة والأماكن كلها ، فيستقيم على شرع الله حتى يلقى ربه وهو عنه راض .قال تعالى { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } [هود:112]وقال عز وجل { فاستقيموا إليه واستغفروه } [فصلت:6]. حتي متي يعبد العابد؟
سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه متي : متي يجد العبد المؤمن الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة ، وهو القائل {من المحبرة إلي المقبرة إن شاء الله} فكل من سأل عن نهاية الطريق نقول له كن على تلك الجادة حتي يأتيك اليقين(الموت).
لاتحبط عملك
قال تعالي{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }الحجرات2 ، الخطاب لصحابة رسول الله يحذرهم الله تبارك وتعالي من أن أعمالهم الصالحات التي أخلصوا فيها قد تحبط إذا عصوا الله ورفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ، إذاً الأعمال الصالحات تحتاج لحفظ من أن تحبط ، فقد كان السلف رضوان الله عليهم يسألون الله العمل الصالح وحفظه، فكثيرا مانسمع بمن طاع ولكنه مات علي معصية ، ومن إستقام ولكنه إرتد وختم له بالكفر عياذاً بالله، فالسعيد من إتعظ بغيره،وبما أنك لاتدري كم تعيش ، وما تبقي من عمرك، فعليك ألا تغفل. ماتقول في رجل إجتهد في جمع الأمول غاية الإجتهاد ،وسلك كل السبل في تحصيله،وتحمل كل المشاق والمخاطرلأجله،حتي نال بغيته ،وصار من الأثرياء الأغنياء، ثم بعد هذا ترك هذه الأموال للسفهاء واللصوص، بلارعاية ولاحفظ، وكذا حال من زرع زرعاً ثم أهمله. ألا تصفه بالجنون!
أليس هذه حماقة من صاد صيداً ثم أطلقه! فمابالك بمن يضيع من هو أشرف من المال والزرع،فماتقول فيمن يضع أعماله الصالحات، التي إجتهد في تحصيلها الليالي الطوال المباركات ثم يعدها يختلسها الشيطان ويفسدها .
كيد الشيطان
قال تعالي {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }الأعراف201 في الشهر الكريم تغل مردة الشياطين، فتكون في حنق وحقد علي المؤمنين، فيستعمل الشيطان كآفة الوسائل ، ليضل من خرج من رمضان وقد غفرت ذنوبه، وله في ذلك وعد ووعيد ،وقسم وتهديد، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82. فلن يبرح يناصب الإنسان العداء، ففي الآية السابقة التي في سورة الأعراف ، أخبر الله أن المتقين يتعرضون لهذا المس والطائف من الشيطان ،ولكنهم سرعان بما يتوبون ويستغفرون الله ولقد ذكر العلماء كثير من الفوائد في هذه الآية نقلاً من كتاب (سلاح اليقظان لطرد الشيطان- للشيخ عبدالعزيز محمد السلمان) منها:
1. رحمة الله تعالي بعباده ، وأنهم ربما ينحطون إلي بشريتهم الجسدية، فلم يقل {إن المتقين لايمسهم طائف من الشيطان} بل أثبت لهم التقوي.
2. و منها أن أصل أمر المتقين السلامة منه وإن عرض طيف بعض الأحيان.
3. ومنها قال إذا مسهم والمس ملامسة من غير تمكن كالكفار فإن الشيطان يتجرد عليهم ويختلس من قلوب المتقين حين تنام العقول الحارسة للقلوب، فإذا استيقظوا انبعث من قلوبهم جيوش الاستغفار والذلة إلى الله تعالى والافتقار فاسترجعوا من الشيطان ما اختلسه وأخذوا منه ما أفترسه. 4. . ومنها أنه أشار بالطيف إلى أنه لا يمكنه أن يأتي القلوب الدائمة المستيقظة إنما يأتي القلوب في حين منامها يرجو غفلتها ومن لا نوم له فلا طيف يرد عليه.
5. ومنها أن الطيف الذي في منامك فإذا استيقظت فلا وجود له.
6. ومنها أنه قال تذكروا ولم يقل ذكروا إشارة إلى أن الغفلة لا يطردها الذكر من غفلة القلب إنما يطردها التذكر والاعتبار لأن الذكر ميدانه اللسان والتذكر ميدانه القلب. فإذا استيقظ نائم القلب ذهبت سحابة الغفلة فأشرقت شمس البصيرة. "فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ"
2009-10-19